أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

267

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

والأعمش ، ورويت عن أبي عمرو « تداركوا » ، وهي أصل قراءة العامة . وقرأ أبو عمرو « إذا إدّاركوا » بقطع همزة الوصل . قال ابن جني : « هذا مشكل ، ومثل ذلك لا ينقله ارتجالا ، وكأنه وقف وقفة مستنكر ، ثم ابتدأ فقطع » . قلت : وهذا الذي يعتقد في أبي عمرو ، وإلا فكيف يقرأ بما لا يثبت إلا في ضرورة الشعر في الأسماء ؟ كذا قال ابن جني ، يعني أن قطع ألف الوصل في الضرورة إنما جاءت في الأسماء . وقرأ حميد « أدركوا » بضم همزة القطع ، وسكون الدال وكسر الراء ، مثل : « أخرجوا » ، جعله مبنيا للمفعول ، بمعنى : أدخلوا في دركاتها ، أو أدراكها . ونقل عن مجاهد بن جبر قراءتان ، فروى عنه مكي « ادّركوا » بوصل الألف وفتح الدال مشددة وفتح الراء ، وأصلها : ادتركوا على افتعلوا مبنيا للفاعل ، ثم أدغم ، كما أدغم أدّان من الدّين . وروى عنه غيره : « أدركوا بفتح الهمزة مقطوعة وسكون الدال وفتح الراء ، أي : أدرك بعضهم بعضا . وقال أبو البقاء : « وقرىء » إِذَا ادَّارَكُوا » بألف واحدة ساكنة بعدها دال مشددة ، وهو جمع بين ساكنين ، وجاز في المنفصل كما جاز في المتصل . وقد قال بعضهم : « اثنا عشر » بإثبات الألف وسكون العين » . قلت : يعني بالمتصل نحو : « الضَّالِّينَ » « 1 » ، و « جَانٌّ » « 2 » ، ومعنى المنفصل أن ألف « إِذَا » من كلمة ، والساكن الثاني من كلمة أخرى . و ادَّارَكُوا » بمعنى : تلاحقوا ، وتقدم تفسير هذه المادة « 3 » . و « جَمِيعاً » حال من فاعل « ادّراكوا » . و « أُخْراهُمْ » و « أولاهم يحتمل أن يكون « فعلى » أنثى « أفعل » الذي للمفاضلة ، والمعنى على هذا - كما قال الزمخشري - : « أُخْراهُمْ » منزلة وهم الأتباع والسفلة « لِأُولاهُمْ » منزلة وهم القادة والرؤساء » . ويحتمل أن تكون « أخرى » بمعنى : « آخرة » تأنيث آخر مقابل أوّل ، لا تأنيث آخر الذي للمفاضلة ، كقوله : وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى « 4 » . والفرق بين « أخرى » بمعنى : آخرة ، وبين « أخرى » تأنيث آخر ، بزنة أفعل للتفضيل : أن التي للتفضيل لا تدل على الانتهاء لا يدل عليه مذكرها ، ولذلك يعطف أمثالها عليها في نوع واحد ، تقول : مررت بامرأة وأخرى وأخرى ، كما تقول : برجل وآخر وآخر ، وهذه تدل على الانتهاء ، كما يدل عليه مذكرها ، ولذلك لا يعطف أمثالها عليها ، ولأن « الأولى » تفيد إفادة غير ، وهذه لا تفيد إفادة غير . والظاهر في هذه الآية الكريمة أنهما ليسا للتفضيل ، بل لما ذكرت لك . وقوله : « لِأُولاهُمْ » اللام للتعليل ، أي : لأجل ، ولا يجوز أن تكون التي للتبليغ ، كهي في قولك : قلت لزيد : افعل . قال الزمخشري : « لأن خطابهم مع اللّه ، لا معهم » . وقد بسط القول قبله في ذلك الزجاج ، فقال : والمعنى : « وقالت أخراهم : يا ربّنا هؤلاء أضلّونا ، لأولاهم » . فذكر نحوه . قلت : وعلى هذا فاللام الثانية في قوله : « أولاهم لأخراهم » يجوز أن تكون للتبليغ ، لأن بهم معهم ، بدليل قوله : فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ . وقوله : « ضِعْفاً » قال أبو عبيدة : « الضّعف مثل الشيء مرّة واحدة » . قال الأزهري : « ما قاله أبو عبيدة هو ما يستعمله الناس في مجاز كلامهم ، وقد قال الشافعي قريبا منه ، فقال - في رجل أوصى - : أعطوه ضعف نصيب ولدي ، قال : يعطى مثله مرّتين » . قال الأزهري : « الوصايا يستعمل فيها العرف ، وما يتفاهمه الناس ، وأما كتاب اللّه فهو عربي مبين ، ويردّ تفسيره إلى لغة العرب وموضوع كلامها ، الذي هو صيغة ألسنتها . والضّعف في كلام العرب : المثل إلى ما زاد ، ولا يقتصر به على مثلين ، بل تقول : هذا ضعفه ، أي : مثلاه ، وثلاثة أمثاله ، لأن الضّعف في الأصل زيادة غير محصورة ، ألا ترى إلى قول اللّه تعالى : فَأُولئِكَ لَهُمْ جَزاءُ الضِّعْفِ « 5 » لم يرد به مثلا ولا مثلين ، وأولى الأشياء به

--> ( 1 ) سورة الفاتحة ، آية ( 7 ) . ( 2 ) سورة النمل ، آية ( 10 ) . ( 3 ) آية ( 145 ) من سورة النساء . ( 4 ) سورة الأنعام ، آية ( 164 ) . ( 5 ) سورة سبأ ، آية ( 37 ) .